في سياق وطني يتسم بتسارع وتيرة الإصلاحات الكبرى، ترأس محمد السادس، يوم الخميس 9 أبريل 2026، مجلساً وزارياً خصص للمصادقة على حزمة من النصوص القانونية والتنظيمية، إلى جانب اتفاقيات دولية وتعيينات عليا، في خطوة تعكس استمرار دينامية تحديث الدولة وتعزيز حكامة تدبير الشأن العام.
الاجتماع، الذي يندرج ضمن الإشراف الملكي المباشر على الأوراش الاستراتيجية، لم يكن مجرد محطة إجرائية، بل حمل مؤشرات قوية على توجهات المرحلة المقبلة، سواء على مستوى التنمية الترابية، أو الإصلاح المؤسساتي، أو تدبير القطاعات الحيوية.
في الشق الفلاحي، وبناءً على استفسار ملكي، قدم وزير الفلاحة معطيات دقيقة تؤكد تحسن المؤشرات بشكل لافت، حيث سجلت التساقطات المطرية ارتفاعاً بنسبة 54%، ما انعكس إيجاباً على حقينة السدود التي بلغت 75%، وهو ما يعزز القدرة على تأمين حاجيات السقي. كما تم تسجيل إنتاج قياسي في الزيتون بزيادة تجاوزت 111%، إلى جانب تحسن في إنتاج الحوامض والتمور، فضلاً عن انتعاش حالة القطيع والمراعي، في مؤشر واضح على تعافي تدريجي للقطاع بعد سنوات من الإجهاد المناخي.
وعلى مستوى التنمية المجالية، استأثر ملف البرامج الترابية المندمجة بحيز مهم من النقاش، حيث قدم وزير الداخلية عرضاً حول تصور متكامل يقوم على الاستجابة للاحتياجات المحلية، بغلاف مالي ضخم يصل إلى 210 ملايير درهم موزعة على ثماني سنوات. هذا التوجه يعكس إرادة واضحة لإرساء نموذج تنموي قائم على العدالة المجالية، وتحقيق توازن حقيقي بين مختلف الجهات، مع التركيز على تحسين ظروف عيش المواطنين وخلق فرص الشغل.
تنزيل هذه البرامج يرتكز على مقاربة جديدة في الحكامة، تقوم على إحداث لجان متعددة المستويات (محلية، جهوية، ووطنية)، إلى جانب اعتماد نموذج الشركات المساهمة كبديل عن الوكالات الجهوية، مع إقرار آليات صارمة للتتبع والتقييم، من بينها تدقيق سنوي مشترك، وإطلاق منصة رقمية لضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في نفس السياق، صادق المجلس الوزاري على مشروع قانون يهم تعديل الإطار القانوني للجهات، في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط الاختصاصات، وتعزيز الموارد المالية، وتحسين نجاعة تنفيذ المشاريع. هذا التعديل يندرج ضمن رؤية أشمل لإعادة هيكلة العمل الجهوي، بما يجعله أكثر فعالية وقدرة على مواكبة التحولات التنموية.
كما شملت المصادقات تعديل قانون التعيين في المناصب العليا، بإدراج مؤسسات جديدة ضمن اختصاصات المجلس الوزاري، من بينها الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، إلى جانب تحيين بعض التسميات، في إطار ملاءمة المنظومة القانونية مع التحولات المؤسساتية التي تعرفها البلاد.
وفي المجال العسكري، تمت المصادقة على مشروع مرسوم يهم تتميم قائمة مناصب الملحقين العسكريين بالخارج، بما يتيح لهم الاستفادة من تعويضات شهرية، في خطوة تندرج ضمن دعم الحضور العسكري المغربي على المستوى الدولي وتعزيز تمثيليته.
أما على الصعيد الدولي، فقد صادق المجلس الوزاري على 15 اتفاقية دولية، منها 11 اتفاقية ثنائية و4 متعددة الأطراف، تغطي مجالات استراتيجية تشمل النقل الجوي، التعاون القضائي، الجمارك، التكوين العسكري، الأمن السيبراني، والاتصالات، إلى جانب قضايا مرتبطة بـ منظمة التجارة العالمية، ما يعكس انخراط المغرب المتواصل في تعزيز شراكاته الدولية وتوسيع مجالات التعاون.
وفي ما يتعلق بالتعيينات، تفضل جلالة الملك بتعيين عدد من المسؤولين على رأس المجموعات الصحية الترابية بعدة جهات، في خطوة تؤكد الأهمية التي يوليها المغرب لإصلاح المنظومة الصحية وتعزيز حكامتها الترابية، بما يضمن تقريب الخدمات وتحسين جودتها.
مجمل هذه القرارات تعكس توجهاً واضحاً نحو تعزيز الحكامة، وتسريع وتيرة الإصلاح، وإرساء نموذج تنموي أكثر توازناً وفعالية. وهي مؤشرات تؤكد أن المرحلة المقبلة ستُبنى على إعادة هيكلة عميقة لمختلف القطاعات، مع التركيز على النجاعة، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.