لم يعد ملف موظفي وزارة الداخلية شأناً قطاعياً يُدار في كواليس الحوار الإداري، بل تحوّل إلى قضية ذات امتداد وطني ودولي، بعد أن أعلنت التنسيقية الوطنية لموظفي وزارة الداخلية عن انتقالها إلى مستوى جديد من التصعيد، يقوم على تدويل الملف المطلبي والانفتاح على الهيئات الحقوقية والنقابية الدولية، وفي مقدمتها منظمة العمل الدولية.
هذا التحول في منهجية الاشتغال لا يمكن قراءته كخطوة معزولة، بل كإعادة تموقع ترافعي مدروس، يهدف إلى نقل النقاش من حدوده الضيقة إلى فضاء أوسع، تُقاس فيه المطالب ليس فقط بميزان التدبير الداخلي، بل أيضاً بمعايير العدالة الأجرية المعترف بها دولياً. إنها محاولة لإعادة صياغة الملف بلغة الحقوق، بعد أن استُنفدت، وفق تعبير المعنيين، قنوات الحوار التقليدية دون نتائج ملموسة.
في عمق هذا الملف، يبرز سؤال مركزي: كيف يمكن لفئة تُعدّ من أعمدة تنزيل السياسات العمومية على المستوى الترابي أن تشتغل تحت ضغط مسؤوليات يومية، في مقابل وضعية مادية وإدارية لا تعكس هذا الثقل الوظيفي؟ التنسيقية تجيب بشكل مباشر: هناك اختلال بنيوي في منظومة الأجور والتعويضات، يتجلى في تفاوتات واضحة مقارنة مع قطاعات أخرى، رغم تقارب المؤهلات وحجم المسؤوليات.
الخطاب المطلبي هنا لا يكتفي بالتشخيص، بل يؤسس مشروعيته على مرجعيات صلبة، في مقدمتها دستور 2011، الذي أقر مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب النصوص المؤطرة للوظيفة العمومية. غير أن الإشكال، حسب الطرح ذاته، يكمن في الفجوة بين النص والتطبيق، حيث تستمر التفاوتات في ظل غياب آليات تصحيح فعالة.
أحد أبرز أوجه هذا الاختلال يتمثل في غياب نظام أساسي خاص بموظفي وزارة الداخلية، يأخذ بعين الاعتبار خصوصية مهامهم ذات الطابع الميداني والترابي. فالموظف، في هذا القطاع، ليس مجرد إطار إداري تقليدي، بل فاعل مباشر في تدبير الشأن المحلي، ومواكبة تنفيذ السياسات العمومية، وضمان استمرارية المرفق العام في ظروف تتسم أحياناً بالضغط والاستعجال.
هذا الغياب لا ينعكس فقط على مستوى التأطير القانوني، بل يمتد إلى المسار المهني برمته، حيث تبرز، وفق المعطيات المقدمة، ضبابية في آفاق الترقية، وضعف في منظومة التعويضات المرتبطة بالتنقل والمسؤولية، في مقابل التزامات ميدانية تفرض حضوراً دائماً وجاهزية مستمرة.
وفي مقابل هذا التشخيص، تطرح التنسيقية رؤية إصلاحية متكاملة، قوامها:
- إرساء عدالة أجرية فعلية تقلص الفوارق غير المبررة بين القطاعات.
- إحداث نظام أساسي خاص يؤطر الوضعية الإدارية ويحدد الحقوق والواجبات بوضوح.
- إعادة هيكلة منظومة التعويضات بما يعكس طبيعة المهام الميدانية وثقل المسؤوليات.
- اعتماد مسارات مهنية قائمة على الاستحقاق، بعيدة عن أي غموض أو تأويل.
- إصلاح الحركية الإدارية وفق معايير شفافة، تضمن الإنصاف والاستقرار المهني.
غير أن ما يمنح هذا الملف بعده الاستراتيجي، ليس فقط طبيعة المطالب، بل سياقه الزمني والسياسي. فهو يُطرح في لحظة تعرف فيها الإدارة العمومية دينامية إصلاحية متسارعة، عنوانها تحديث المرافق، وتعزيز الحكامة، ورفع مردودية الأداء. وهو ما يطرح سؤالاً موازياً: كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف دون تسوية أوضاع الموارد البشرية التي تُشكل العمود الفقري لهذه الإصلاحات؟
التنسيقية، من جهتها، تراهن على مقاربة ترافعية متعددة المستويات، لا تقتصر على الضغط الخارجي، بل تشمل أيضاً التواصل مع وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة، والانفتاح على مؤسسات دستورية مثل وسيط المملكة، إلى جانب توسيع دائرة الدعم النقابي والحقوقي، ورفع منسوب الحضور الإعلامي للقضية.
هذه المقاربة تعكس وعياً بأن معركة الأجور ليست فقط معركة أرقام، بل معركة تصورات ونماذج تدبير، حيث يصبح النقاش مرتبطاً بشكل الإدارة التي يريدها المغرب: إدارة قائمة على التوازن بين الواجبات والحقوق، وعلى تحفيز الموارد البشرية كمدخل أساسي للإصلاح.
وفي خلفية هذا المشهد، يظل الرهان الأكبر هو تحقيق الاستقرار داخل المرفق العمومي. فاستمرار التفاوتات، دون معالجة جذرية، قد يُفرغ الإصلاحات من مضمونها، ويؤثر على دينامية الانخراط في الأوراش الكبرى. في المقابل، فإن الاستجابة الذكية لهذه المطالب قد تشكل فرصة لإعادة بناء الثقة، وتعزيز الانسجام داخل الإدارة.
بين التصعيد نحو الخارج، ومحاولات إعادة فتح قنوات الحوار في الداخل، يقف هذا الملف عند مفترق طرق حاسم. ليس لأنه يخص فئة بعينها، بل لأنه يعكس سؤالاً أعمق: هل آن الأوان لإعادة ترتيب منظومة الأجور داخل الوظيفة العمومية على أسس أكثر عدلاً وتوازناً؟ سؤال مفتوح، لكن إجابته لن تحدد فقط مصير هذا الملف، بل ملامح المرحلة المقبلة داخل الإدارة المغربية.