في تصريح يحمل دلالات عميقة تتجاوز المجال الأكاديمي، حذر عبد اللطيف ميراوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، من تداعيات العزوف المتزايد عن القراءة في صفوف الشباب، مؤكداً أن الأمر لم يعد مجرد سلوك ثقافي، بل تحول إلى إشكال بنيوي يمس أدوات التفكير والتحليل.
وجاءت هذه التصريحات في سياق فعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب، حيث شدد الوزير على أن القراءة ليست ترفاً فكرياً، بل ركيزة أساسية لبناء عقل متوازن وقادر على فهم تعقيدات الواقع. وأوضح أن غياب هذه الممارسة يفتح المجال أمام أشكال من الغلو، نتيجة ضعف القدرة على التحليل والنقاش وتفكيك الأفكار.
وفي ملاحظة وصفها متتبعون بالدقيقة، أشار ميراوي إلى تفاوت واضح داخل الوسط الجامعي، حيث يقل منسوب الغلو في كليات الآداب والعلوم الإنسانية والسياسية، بالنظر إلى طبيعة التكوين القائم على قراءة النصوص وتحليلها، ومناقشة الأفكار من زوايا متعددة. في المقابل، سجل الوزير ارتفاع هذا النوع من الانغلاق في بعض التخصصات العلمية البحتة، خاصة الرياضيات، تليها المعلوميات والفيزياء والكيمياء، وهو ما يعكس، حسب الطرح ذاته، فجوة في التكوين الفكري الموازي للتكوين العلمي.
هذا الطرح يعيد النقاش إلى جوهر المنظومة التعليمية، حيث لم يعد الرهان مقتصراً على نقل المعرفة، بل على بناء إنسان قادر على التفكير النقدي، والتفاعل الواعي مع محيطه. فالتركيز المفرط على التخصصات العلمية، دون مرافقتها بتكوين ثقافي وإنساني متوازن، قد يُنتج كفاءات تقنية قوية، لكنها تفتقد أحياناً لأدوات الفهم العميق للسياق المجتمعي.
وفي هذا الإطار، دعا الوزير إلى إعادة الاعتبار للقراءة كعنصر أساسي في التكوين، ليس فقط داخل المؤسسات التعليمية، بل ابتداءً من الأسرة، مروراً بالمدرسة، وصولاً إلى الجامعة. كما حث الجامعات على إطلاق دينامية ثقافية موازية، تتجاوز حدود البحث الأكاديمي الصرف، نحو فضاءات للنقاش، والقراءة، والانفتاح الفكري.
الرسالة التي حملها هذا التصريح واضحة: مجتمع بلا قراءة، هو مجتمع يضعف فيه التفكير، وتضيق فيه زوايا الفهم. ومن هنا، يصبح الاستثمار في القراءة ليس خياراً ثقافياً فقط، بل ضرورة استراتيجية لضمان توازن المجتمع ومناعته الفكرية في مواجهة مختلف التحديات.