القباض الجماعيون.. إصلاح جديد يعيد رسم خريطة تحصيل الرسوم المحلية بالمغرب ويمنح الجماعات الترابية صلاحيات مالية غير مسبوقة

 بعيداً عن النقاشات التي تستأثر باهتمام الرأي العام، وبهدوء يطبع عادة الإصلاحات ذات الطابع المؤسساتي، دخل المغرب مرحلة جديدة في مسار تحديث منظومة الجبايات المحلية، بعد إقرار إحداث القباض الجماعيين، في خطوة قد تبدو للبعض تقنية أو إدارية، لكنها في الواقع تمثل أحد أهم التحولات التي شهدها نظام تدبير الموارد المالية للجماعات الترابية خلال السنوات الأخيرة. فهذا المستجد لا يتعلق بمجرد استحداث تسمية جديدة داخل الإدارة، بل يؤسس لمرحلة مختلفة في طريقة استخلاص الرسوم المحلية، وفي توزيع الاختصاصات بين مختلف المتدخلين، بما ينسجم مع الرؤية الجديدة التي تعتمدها الدولة لتعزيز استقلالية الجماعات الترابية وتحسين مردودية مواردها الذاتية.

ولسنوات طويلة، ظل موضوع تحصيل الرسوم المحلية يطرح عدداً من الإشكالات العملية، سواء على مستوى طول المساطر، أو تعدد المتدخلين، أو ضعف نسبة استخلاص بعض الرسوم، وهو ما كان ينعكس بشكل مباشر على مالية الجماعات الترابية، ويحد من قدرتها على تمويل مشاريعها التنموية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين. فالجماعة، مهما كانت برامجها وطموحاتها، لا يمكنها أن تنجز طرقاً أو حدائق أو شبكات إنارة أو مشاريع اجتماعية دون موارد مالية مستقرة وقابلة للتحصيل، وهو ما جعل إصلاح هذا الجانب أحد الأوراش التي أولتها الدولة أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة.

ومن هذا المنطلق، جاء القانون رقم 14.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، ليؤسس لمرحلة جديدة عنوانها تحديث منظومة التحصيل، من خلال إحداث فئة جديدة تحمل اسم القباض الجماعيين، وهم محاسبون عموميون يتم تعيينهم بقرار مشترك بين السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية، ويخول لهم القانون ممارسة اختصاصات واسعة في مجال استخلاص الرسوم المستحقة لفائدة الجماعات الترابية.

ولا ينبغي النظر إلى هذا المستجد باعتباره مجرد تغيير إداري، لأن فلسفته تتجاوز ذلك بكثير. فالدولة اختارت أن تعيد تنظيم منظومة التحصيل بشكل يجعل الجماعات الترابية أكثر قدرة على تعبئة مواردها، وأكثر سرعة في استخلاص مستحقاتها، مع إرساء مسؤوليات واضحة ومحددة للجهة المكلفة بالتحصيل. فكل درهم يتم استخلاصه من الرسوم المحلية يشكل مورداً إضافياً يمكن أن يوجه إلى تحسين البنيات التحتية، أو تطوير المرافق العمومية، أو تمويل مشاريع القرب التي ينتظرها المواطنون.

ويكتسي إحداث القباض الجماعيين أهمية خاصة لأنه يأتي في سياق يعرف فيه المغرب تحولاً عميقاً في مفهوم تدبير الشأن المحلي، حيث لم تعد الجماعات الترابية مجرد هيئات تتلقى الاعتمادات المالية، بل أصبحت مطالبة بتعبئة مواردها الذاتية، ورفع مردوديتها المالية، واعتماد آليات حديثة للحكامة والتدبير. ومن هنا، فإن إصلاح منظومة التحصيل لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة لضمان نجاح ورش الجهوية المتقدمة، الذي يقوم أساساً على تمكين الجماعات من الوسائل المالية التي تسمح لها بالقيام باختصاصاتها.

وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح القباض الجماعيون الجهة الوحيدة المؤهلة لتحصيل عدد من الرسوم المستحقة لفائدة الجماعات الترابية، باستثناء الرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، التي تستمر في الخضوع للنظام القانوني الخاص بها. كما منحهم المشرع جميع الصلاحيات المخولة بموجب القانون رقم 15.97 المتعلق بمدونة تحصيل الديون العمومية، بما في ذلك إجراءات التحصيل الجبري، وهو ما يعني أن دورهم لا يقتصر على استقبال الأداءات أو تسجيلها، بل يمتد إلى مباشرة مختلف المساطر القانونية الرامية إلى استخلاص الديون العمومية المستحقة لفائدة الجماعات.

وتبرز أهمية هذه الصلاحيات عندما يتعلق الأمر بالرسوم التي ظلت لسنوات تعرف نسب استخلاص ضعيفة، بسبب تعقد الإجراءات أو طولها أو غياب آليات فعالة للمتابعة. فالقابض الجماعي سيكون مسؤولاً عن تتبع ملفات التحصيل منذ بدايتها، مروراً بتوجيه الإنذارات، وصولاً إلى مباشرة الإجراءات القانونية التي يجيزها التشريع الجاري به العمل، مع احترام الضمانات المخولة للملزمين، وهو ما يمنح العملية برمتها مزيداً من الوضوح والنجاعة.

ويرى متابعون للشأن المالي المحلي أن هذا الإصلاح يحمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن الدولة تتجه نحو ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الموارد المالية للجماعات، إذ لم يعد مقبولاً أن تبقى مبالغ مهمة من الرسوم المحلية دون استخلاص، في وقت تحتاج فيه الجماعات إلى كل مورد مالي لإنجاز مشاريعها وتحسين جودة الخدمات المقدمة للساكنة.

ولا يقتصر أثر هذا الإصلاح على الإدارة وحدها، بل يمتد أيضاً إلى المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، لأن وجود جهاز متخصص في التحصيل من شأنه أن يساهم في تبسيط الإجراءات، وتسريع معالجة الملفات، وتوفير مخاطب واضح ومحدد، بدل تشتت الاختصاصات بين عدة جهات. كما أن وضوح المساطر يسهم في تقليص النزاعات، ويعزز الثقة في الإدارة، ويضمن تطبيق القانون على الجميع وفق قواعد موحدة.

ومن زاوية اقتصادية، فإن تحسين مردودية التحصيل يعني بالضرورة تعزيز الموارد الذاتية للجماعات الترابية، وهو ما يقلص من اعتمادها على التحويلات المالية القادمة من الميزانية العامة، ويمنحها هامشاً أكبر لبرمجة مشاريعها وفق أولوياتها المحلية. وهذا التوجه ينسجم مع الفلسفة التي يقوم عليها ورش الجهوية المتقدمة، والتي تجعل من الاستقلال المالي أحد الشروط الأساسية لنجاح التنمية الترابية.

كما أن هذا الإصلاح يأتي في سياق وطني يتسم بتسارع مشاريع تحديث الإدارة العمومية، والانتقال نحو إدارة أكثر كفاءة وفعالية، تعتمد الرقمنة، وتبسط المساطر، وتحدد المسؤوليات بشكل دقيق. ومن المنتظر أن يواكب عمل القباض الجماعيين تطوير الوسائل الرقمية الخاصة بتدبير الرسوم المحلية، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات، وتقليص آجال المعالجة، والرفع من شفافية عمليات التحصيل.

ورغم أهمية هذا الورش، فإن نجاحه سيظل رهيناً بعدة عوامل، من بينها توفير الموارد البشرية المؤهلة، والتكوين المستمر للقباض الجماعيين، واعتماد أنظمة معلوماتية حديثة، إلى جانب التنسيق الدائم بين وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية والجماعات الترابية، حتى تتحقق الأهداف التي أنشئ من أجلها هذا النظام الجديد.

ومن المرتقب أن يكون لهذه الخطوة أثر مباشر على طريقة تدبير المالية المحلية خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا نجحت في رفع نسب استخلاص الرسوم وتقليص حجم المتأخرات، وهو ما سيمكن الجماعات من تعبئة موارد إضافية يمكن توجيهها إلى الاستثمار في مشاريع تنموية تستجيب لانتظارات المواطنين.

وفي المحصلة، فإن إحداث القباض الجماعيين لا يمثل مجرد تعديل تقني في النصوص القانونية، بل يعكس توجهاً استراتيجياً يروم بناء منظومة مالية محلية أكثر كفاءة وشفافية، قادرة على تعبئة الموارد الذاتية وضمان استخلاصها وفق قواعد واضحة، بما يعزز استقلالية الجماعات الترابية ويدعم مسار الإصلاح الإداري والمالي الذي يشهده المغرب. ومع دخول هذا النظام حيز التنفيذ، ستكون الأنظار متجهة إلى مدى قدرته على تحقيق التوازن بين فعالية التحصيل، واحترام حقوق الملزمين، وتوفير الموارد الكفيلة بتمويل التنمية المحلية، في إطار حكامة مالية حديثة تستجيب لتطلعات المرحلة المقبلة.

أحدث أقدم