أكثر من 70 ألف موظف عمومي سيحالون على التقاعد بالمغرب بين 2026 و2030.. والتعليم في الصدارة

 كشف تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن توقع إحالة 70 ألفاً و266 موظفاً مدنياً على التقاعد بسبب بلوغ السن القانوني، خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2030، في معطى يسلط الضوء على حجم التحولات التي ستعرفها الموارد البشرية بالإدارات العمومية المغربية خلال السنوات المقبلة، وما تطرحه من تحديات مرتبطة بتجديد الأطر وضمان استمرارية المرافق العمومية.

وتتصدر وزارة التربية الوطنية قائمة القطاعات الأكثر تأثراً بهذه الإحالات المرتقبة، بعدما بلغ عدد الموظفين المتوقع إحالتهم على التقاعد بها 28 ألفاً و12 موظفاً، أي ما يمثل 39.9 في المائة من مجموع الحالات المنتظرة خلال الفترة المذكورة. وتعكس هذه النسبة الوزن الكبير الذي يمثله قطاع التعليم ضمن حركة التقاعد المرتقبة، وما يفرضه ذلك من ضرورة التخطيط المسبق لتدبير الموارد البشرية، بما يضمن استمرار المؤسسات التعليمية في أداء مهامها دون أن تتأثر بمغادرة أعداد مهمة من موظفيها.

وتأتي وزارة الداخلية في المرتبة الثانية، بتوقع إحالة 15 ألفاً و945 موظفاً على التقاعد، تليها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بـ5 آلاف و645 موظفاً، ثم قطاع التعليم العالي بـ4 آلاف و793 موظفاً. كما تشمل التوقعات ألفين و792 موظفاً بقطاع الاقتصاد والمالية، وألفين و307 موظفين بوزارة العدل، فيما يُرتقب أن يبلغ عدد المحالين على التقاعد في باقي القطاعات 10 آلاف و772 موظفاً. وتبرز هذه الأرقام تفاوت حجم المغادرات بين القطاعات، تبعاً لتركيبتها البشرية وحاجياتها الوظيفية.

وعلى مستوى التوزيع السنوي للإحالات على التقاعد، تشير المعطيات إلى أن سنة 2026 ستشهد إحالة 14 ألفاً و722 موظفاً على التقاعد، مقابل 14 ألفاً و654 موظفاً سنة 2027، و14 ألفاً و195 موظفاً سنة 2028، ثم 13 ألفاً و689 موظفاً سنة 2029، وصولاً إلى 13 ألفاً و6 موظفين سنة 2030. وتوضح هذه التوقعات أن وتيرة الإحالات ستظل مرتفعة على امتداد السنوات الخمس، رغم تسجيل تراجع تدريجي في الأعداد السنوية، وهو ما يجعل الاستعداد لهذه المغادرات مسألة تتطلب رؤية استباقية ومتوسطة المدى، عوض الاكتفاء بمعالجة الخصاص بعد وقوعه.

ولا تنفصل هذه التوقعات عن البنية العمرية الحالية للموظفين المدنيين، إذ تفيد المعطيات بأن 33.7 في المائة من الموظفين تبلغ أعمارهم 50 سنة فما فوق، بينما تتراوح أعمار 43.2 في المائة بين 35 سنة وأقل من 50 سنة، في حين لا تتجاوز نسبة الموظفين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة 23.1 في المائة. ويكشف هذا التوزيع عن حضور مهم للفئات العمرية المتقدمة داخل الإدارة العمومية، بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى تأهيل الأطر الشابة وتمكينها من اكتساب الخبرة اللازمة لتحمل المسؤوليات وضمان استمرارية العمل الإداري.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية إضافية في ضوء ما أورده التقرير بشأن عمليات حذف المناصب المالية، إذ شكلت الإحالات على التقاعد بسبب بلوغ السن القانوني أكثر من 81 في المائة من عمليات حذف المناصب خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2026. ويبرز هذا المؤشر مدى ارتباط حركة التقاعد بتدبير المناصب المالية داخل الإدارات العمومية، لكنه لا يعني أن كل موظف يغادر منصبه سيُعوَّض تلقائياً بموظف جديد، كما لا يعني أن جميع المناصب التي تصبح شاغرة ستُفتح أمام المترشحين في مباريات التوظيف.

فـالتوظيف في القطاع العام يظل مرتبطاً بالحاجيات الفعلية لكل إدارة، وبالاعتمادات المالية المرصودة، وبالمناصب التي تتم برمجتها والمصادقة عليها ضمن القوانين والقرارات ذات الصلة. ولذلك، فإن العدد المرتفع للإحالات المتوقعة على التقاعد لا يشكل في حد ذاته إعلاناً عن توظيفات جديدة، وإن كان يبرز حجم الحركة التي ستعرفها الموارد البشرية العمومية خلال السنوات المقبلة، وما قد تفرضه من مراجعة للأولويات وتوزيع الأطر بحسب حاجيات المرافق.

وبالنسبة إلى الشباب الباحثين عن فرص الالتحاق بالوظيفة العمومية، فإن هذه الأرقام تظل مؤشراً مهماً لفهم تطور الموارد البشرية داخل الإدارات، لكنها لا تغني عن متابعة إعلانات المباريات الرسمية ومشاريع قوانين المالية والقرارات المتعلقة بإحداث المناصب المالية. كما أن الاستفادة من فرص التوظيف المحتملة تظل رهينة بالتخصصات المطلوبة، وشروط الترشيح، ونتائج المباريات، وليس بمجرد تسجيل حالات التقاعد داخل قطاع معين.

وتضع هذه التوقعات الإدارات العمومية أمام تحدٍ يتجاوز تعويض الأعداد المغادرة، ليشمل المحافظة على الخبرات المتراكمة ونقلها إلى الأجيال الجديدة، وتطوير الكفاءات، وتحسين توزيع الموارد البشرية بين المصالح والمناطق. ففي قطاعات مثل التعليم والصحة، لا يرتبط الأمر فقط بتوفير الموظفين، بل أيضاً بضمان استمرارية الخدمات العمومية وجودتها، بينما تتطلب القطاعات الإدارية الأخرى الحفاظ على الخبرات التقنية والتدبيرية الضرورية لحسن سير المرافق العمومية.

وتكشف الأرقام الواردة في تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن السنوات الممتدة إلى غاية 2030 ستشكل مرحلة مهمة في تدبير التقاعد داخل الوظيفة العمومية المغربية. وبين ضرورة تجديد الأطر والحفاظ على الخبرات، ستظل قدرة الإدارات على التخطيط المسبق والاستجابة لحاجياتها الفعلية عاملاً حاسماً في ضمان استمرارية الخدمات العمومية وتحسين أدائها.

أحدث أقدم