في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، لم يعد الحديث عن معاناة الموظفين مع التنقل اليومي مجرد انطباع عام، بل واقع يفرض نفسه بقوة. هذا الضغط المتزايد أعاد طرح سؤال جوهري داخل الساحة السياسية: هل يمكن تغيير نمط العمل داخل الإدارات العمومية بشكل يخفف العبء عن الموظف دون المساس بجودة المرفق العام؟
في هذا السياق، تقدم حزب حزب الأصالة والمعاصرة بمقترح يدعو إلى اعتماد العمل عن بعد، كخيار عملي لمواجهة جزء من تداعيات ارتفاع تكاليف التنقل. المقترح يحمل بعداً واضحاً يتجاوز الحسابات التقنية، فهو يلامس بشكل مباشر الحياة اليومية لآلاف الموظفين الذين أصبحوا يخصصون جزءاً مهماً من دخلهم فقط للوصول إلى مقرات عملهم.
الصورة اليومية لم تعد تحتاج إلى تفسير: ازدحام، استنزاف للوقت، وتكاليف تتزايد مع كل ارتفاع جديد في أسعار الوقود. في هذا السياق، يظهر العمل عن بعد كخيار عقلاني يخفف الضغط، ويعيد توزيع الجهد بشكل أكثر توازناً. الفكرة لا تتعلق فقط بتقليل المصاريف، بل بإعادة النظر في نموذج إداري ظل لسنوات مرتبطاً بالحضور الفيزيائي أكثر من ارتباطه بالإنتاجية.
على مستوى التجارب الدولية، تتجه عدة دول نحو هذا الخيار كجزء من سياسات التكيف مع التحولات الاقتصادية. تجربة ماليزيا تعكس هذا التوجه، حيث قررت اعتماد العمل عن بعد داخل مؤسساتها ابتداءً من 15 أبريل، بهدف تقليل استهلاك الطاقة والتخفيف من تأثير ارتفاع أسعار النفط. هذا النوع من القرارات يكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة بالراحة، بل بقدرة الدول على إدارة مواردها بكفاءة في ظل أزمات متلاحقة.
في المغرب، التحدي المطروح يتجاوز إعلان النوايا. اعتماد العمل عن بعد يتطلب بنية رقمية قادرة على ضمان استمرارية الخدمات، كما يفرض تحولاً في الثقافة الإدارية نحو تقييم الأداء بدل مراقبة الحضور. كما يطرح إشكالات قانونية وتنظيمية تحتاج إلى وضوح حتى لا يتحول الحل إلى مصدر ارتباك جديد داخل المرافق العمومية.
ما يفرض نفسه اليوم هو أن النقاش لم يعد نظرياً. ضغط الواقع، وتغير الظروف الاقتصادية، وتجارب الدول الأخرى، كلها عوامل تدفع في اتجاه إعادة التفكير في طريقة اشتغال الإدارة. العمل عن بعد لم يعد فكرة مؤجلة، بل خياراً مطروحاً بجدية، يضع صانع القرار أمام مسؤولية الحسم بين الاستمرار في نموذج تقليدي أو الانخراط في تحول يفرضه الزمن.